الشريف الرضي

27

حقائق التأويل في متشابه التنزيل

منه دعاء إلى الضلال ولا إلى ضده فوقع ( 1 ) الضلال عند دعائه . قال سبحانه : ( وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام . رب إنهن أضللن كثيرا من الناس . . . الآية ) ( 2 ) ، فأضاف تعالى ضلال القوم إلى الأصنام ، إذ جعلوها سببا لضلالتهم ، وهي جماد لا يكون منها صرف عن طاعة ولا دعاء إلى معصية . ومثل هذا من كلامهم : إن الرجل يشغف بالمرأة ، فإذا عظم وجده بها وقلقه من أجلها ، قال لها : قد أسهرت ليلي ، وأمرضت قلبي ، وكدرت صفاء عيشي ، ولعلها لم تعلم بشئ من أمره ، ولم تشعر بأوقات قلقه وسهره ، ولكنه لما اعتقد أنها سبب لذلك - وإن لم تفعله - جاز أن ينسب إليها فعله . وآكد من ذلك أنها لو شعرت بما يقاسيه فيها ويعانيه من حبها - وكانت ذات عفة تحصنها وتحسم المطامع عنها ، فزجرته عن نفسها وخوفته عواقب الاشتغال بها ، فكان ذلك سببا لزيادة كلفه وتضاعف شغفه ، فانحلت قوى أمره واسترخى وتر صبره وطال بها سهر ليله وتشاغل عن مصالح نفسه - كان جائزا أن ينسب ذلك إليها ، فيقول : إنها أسهرت ليلي وأطالت فكري ، واقتطعتني عن مصالحي ، وذهبت بي عن مراشدي ، وهي لم تعظه إلا ليتعظ ، ولم تزجره إلا ليزدجر ، وإنما

--> ( 1 ) هذا التفريع من جملة المنفي اي فلم يقع الضلال . . . ( 2 ) إبراهيم : 35 ، 36